أم نضال… خنساء فلسطين

أم نضال… خنساء فلسطين

ولو كُنَّ النّساءُ كمَنْ فَقَدْنا ….. لفُضّلتُ النّساءَ على الرِّجَال

فما التّأنيثُ لاسْمِ الشّمسِ عيْبًا …. ولا التّذكيرُ فخْرًا للهلالِ

مليئة هي حضارتنا بالنساء الفضليات عبر تاريخها القديم والحديث، وفي كل عصر نجد فيهن مضرب المثل في العلم والعمل، في التضحية والفداء، في التربية والدعوة إلى الله، وفي كل ميدان فيه نفع وخير.

ومن هؤلاء الرائدات أم نضال فرحات،، خنساء فلسطين،، التي علّمت نساء الأمة كيف تربّي النساء الأبطال ليكونوا رأس الحربة في الدفاع عن الحرمات والمقدسات.

هي مريم محمد يوسف محيسن أو أم نضال فرحات الداعية والمربية والمجاهدة والسياسية الغزّاوية الفلسطينية. قدمت ثلاثة من أبنائها شهداء في فلسطين (نضال ومحمد وروّاد)، وآوت القائد القسامي عماد عقل (المقاتل ذو الأرواح السبعة كما وصفه الصهاينة)، وكان منزلها منطلق عملياته الجهادية، واغتيل في منزلها بعد اشتباك مسلح مع جنود الاحتلال الصهيوني.

فيما أصيب اثنان من أبنائها جراء مقاومتهم للاحتلال، وهما مؤمن وحسام، أما ابنها وسام فقد قضى 11 عاما في السجون الصهيونية. وكانت تلقّب بالأم الروحية للمقاومين، وأم الشهداء.

ولدت أم نضال عام 24/12/1949 في حي الشجاعية، وتوفيت في القطاع 17/3/2013، وما بين الولادة والوفاة كان الكفاح المستمر، والتضحيات المتتابعة، والثبات على المبادئ هي السمات البارزة في تلك الشخصية الفلسطينية الفردية.

ولا تزال صورة أم نضال حاضرة في أذهان المسلمين وهي تودع ابنها محمد ذي السبعة عشر عاما لتنفيذ عملية داخل مغتصبة (عتصمونا) عاما 2002م، حيث ظهرت وهي تودعه بقلب راضٍ ونفس مطمئنة.

ومما قالت في وداعه: تزحزح قليلاً يا بني، ضع يدك على كتفي، دعني أقبلك قبلة الوداع، هيا التقط صورتك أيها المصور وأنا أزف ولدي إلى الشهادة. كانت هذه كلماتها وهي تسلّمه إلى الشهادة.

ولم يكن قد مرّ على استشهاد ابنها محمد سوى عام واحد، حتى استشهد نجلها البكر نضال عام 2003، وهو أحد قادة كتائب القسام، وأحد المهندسين الأوائل الذين كان لهم الفضل في تصنيع صواريخ القسام، وبعد عامين من استشهاد نضال، قدمت أم نضال نجلها الثالث رواد بعدما قصف الاحتلال سيارته في قطاع غزة عام 2005.

لم تكن قضية الجهاد والاستشهاد في حياة أم نضال قدرا مكتوبا، وضرورة طبيعية ناتجة عن عربدة الاحتلال فحسب، وإنما كانت فلسفة حياة تشربتها روحها من سيرة الصحابة والصحابيات الأوائل. لم تكن تقدم أبناءها للشهادة واحدا تلو الآخر وهي حزينة مضطرة، بل كانت مستبشرة مطمئنة، ومما قالته: كان من أجمل أيام حياتي عندما امتلك محمد السلاح فأحضره لي ليسعد قلبي به، ويؤكد لي أنه أصبح رجلا.

ولم يحجبها ذلك السعي الدؤوب وتلك التربية الجهادية لبنائها عن ممارسة العمل السياسي والمجتمعي، ففي عام 2006 جرى ترشيحها عضواً فى المجلس التشريعي الفلسطيني، عن كتلة التغيير والإصلاح، كما عملت رئيسة لـ(جمعية الشموع المضيئة لرعاية أطفال الشهداء).

كانت آخر كلماتها قول الله تعالى (قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين). وهي الكلمات التي عاشتها قولا وعملا وتضحية وجهادا طوال حياتها.

ويقول حسام فرحات الابن الأوسط لـ(أم نضال) يوم وفاتها: أحمد الله كثيرا على أنه رزقني بأم مثل أمي، فقد منحتنا الحب والعطاء والتضحية، وزرعت في قلوبنا حب التضحية والمقاومة، فمنذ أن كنت طفلا وكان منزلنا مأوى للفدائيين والمقاومين والمطاردين من قبل الاحتلال، وكانت أمي ترعاهم وتحثهم على الجهاد، وعلى رأسهم قائد الجناح العسكري لحركة (حماس) الشهيد عماد عقل. ويقول أيضا: أمي لم تشعر بالراحة في أي وقت كان يتعرض فيه قطاع غزة لعملية إسرائيلية، إلا بعد أن ترسلنا لأرض الميدان والتصدي لقوات وآليات الاحتلال، وكانت توصينا بألا نرجع إليها إلا ونحن شهداء، أو قد نلنا من الصهاينة، فهي التي ودعت شقيقي محمد قبل أن ينفذ العملية الاستشهادية، وبقيت معه على اتصال مباشر حتى لقي الله شهيدا. وكان حسام فرحات يتمنى ألا ترحل والدته عن الحياة إلا بعد أن تودعه شهيدا كما ودعت أشقاءه الثلاثة من قبل، فقد كانت ترجو الله دائما أن ينال أبناؤها الشهادة في سبيله.

كانت أم نضال قبل وفاتها بأيام تشعر بأنه قد آن أوان الرحيل، إذ كانت تذكر أنها في شوق كبير لأبنائها الشهداء، وأنها تراهم كل ليلة في المنام، كما كانت تردد أنها (تشتاق إلى طعام الجنة). (حسب رواية ابنها حسام)

رحمها الله وتقبلها في الصالحين، وأسكنها في عليين.

هذا النموذج الفذ يؤكد على أن الأمة ما زال ينبض في عروقها الأمل، ويسري في روحها حب التضحية والفداء والجهاد في سبيل الله. والله نسأل أن يرزق الأمة بأمثال أم نضال حتى تفيق من كبوتها وتتسلم الراية نحو بعث إسلامي جديد.

  ()

مقالات اخري

اخر المقالات

المعلق عليه